أبو بكر الصديق … هو عبد الله بن أبي قحافة التميمي القرشي صاحب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ورفيقه في الدعوة والهجرة وأحب الناس إليه _صلى الله عليه وسلم_ بعد زوجته عائشة_، هو أول من أسلم من الرجال، وأول الخلفاء الراشدين بعد موت النبي _صلى الله عليه وسلم_ وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وفي هذا المقال سنتناول حياة أبي بكر الصديق _رضي الله عنه_ بشيءٍ من التفصيل.

أبو بكر الصديق

نسبه

  • هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وينتهي نسبه إلى فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان التميمي القرشي، ويلتقي في نسبه مع النبي (صلى الله عليه وسلم) عند مرة بن كعب، وينسب إلى “تيم قريش”، فيقال: “التيمي”، كان أبو بكر يدعى في الجاهلية “عبد الكعبة” فناداه النبي _صلى الله عليه وسلم_ “عبد الله” ولقَّبه “عتيقًا”؛ لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال له: “أنت عتيق من النار”، كما لقِّب _رضي الله عنه_ “بالصديق”؛ لأنه صدق خبر الإسراء والمعراج، أمه “سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن كعب بن مرة”، وهي بنت عم أبيه، كانت تكنى بـ “أم الخير”، أسلمت أم أبي بكر قبل الهجرة في مكة المكرمة.

مولده

  • ولد أبو بكر الصديق عام خمسمائة وثلاث وسبعون للميلاد _في العام الخمسين قبل الهجرة_ في مكة المكرمة، وأبو بكر الصديق أصغر عمرًا من النبي _صلى الله عليه وسلم_ حيث ولد أبو بكر _رضي الله عنه_ بعد عام الفيل (العام الذي ولد به النبي _صلى الله عليه وسلم) بعامين وسنة أشهر.

نشأته

  • نشأ أبو بكر وعاش في مكة، ولما شب وقوي عوده عمل في التجارة، حيث كان يعمل بزازًا يبيع الثياب ونجح في تحقيق إنجازاتٍ كبيرةٍ في تجارته وكان رأس ماله أربعين ألف دَرْهم، وكان _رضي الله عنه_ من أغنياء قريش قال ابن كثير: “وكان رجلًا تاجرًا ذا خُلُق ومعروف، وكان رجالُ قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته”.
  • واستطاع أن يتزوج في سنٍ مبكرةٍ من “قتيلة بنت عبد العزى” وأنجب منها كلًا من (عبد الله، وأسماء _رضي الله عنهما_)، ثم تزوج بعد ذلك من “أم رومان بنت عامر بن عويمر” وأنجب منها كلًا من (عبد الرحمن، وعائشة _رضي الله عنهما_)، وتزوج أيضًا _رضي الله عنه_ من “أسماء بنت عميس” وأنجبت له (محمد)، ثم وتزوج من “حبيبة بنت خارجة الأنصارية الخزرجية” وأنجبت له (أم كلثوم).

صفات أبو بكر الصديق

كان أبو بكر الصديق _رضي الله عنه_ لين الطبع، سخيًا ينفق من ماله بكرم، قوي الشخصية، كريم الخلق، يتصف بالحكمة وسداد الرأي ورجاحة العقل، لم يسبق له مشاركة قومه في عقائدهم وعباداتهم فلم يشرب الخمر قط ولم يسجد في الجاهلية لصنمٍ قط حيث روي عن أبي بكر في مجمعٍ من الصحابة أنه _رضي الله عنه_ قال: “ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما ناهزت الحلم أخذني أبو قحافة بيدي، فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لي: “هذه آلهتُك الشمُّ العوالي”، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: “إني جائع فأطعمني”، فلم يجبني، فقلت: “إني عار فاكسني”، فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخر لوجهه”، وكان _رضي الله عنه_ أعلم أهل قريش بالأنساب وبالغرم من علمه بالأنساب فإنه لم يكن ليعيب بالأنساب قط ولا يذكر المثالب كغيره من النسابين في ذلك الوقت، وقد روي عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: “إن أبا بكر أعلمُ قريش بأنسابها“.

وكان أبو بكر بحكم تجارته يرتحل إلى بلدان كثيرة منها الشام، وقد روي عنه _رضي الله عنه_ أنه قد رأى رؤيا في منامه فقصها على “بحيري الراهب” في إحدى رحلاته إلى الشام، فقال له (بحيري): “من أين أنت؟”، قال: “من مكة”، قال: “من أيها؟”، قال: “من قريش”، قال: “فأي شيء أنت؟”، قال: “تاجر”، قال: “إن صدق الله رؤياك، فإنه يبعث بنبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته”، فأَسرَّ أبو بكر الصديق ذلك في نفسه ولم يبده لأحد.

إسلام أبو بكر الصديق

  • كان أبو بكر الصديق _رضي الله عنه_ على معرفة وطيدة مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قبل البَعثة في الجاهلية، وكان _رضي الله عنه_ يعلم من صفات الرسول الله _صلى الله عليه وسلم” الصدق والأمانة وكرم الخلق وانسلاخه من الكذب فمَا إن عرض _صلى الله عليه وسلم_ الإسلام حتى أقر أبو بكر _رضي الله عنه_ بحق الإسلام، قال ابن إسحاق: “ثم إن أبا بكر الصدِّيق لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم_ فقال: “أحق ما تقول قريش يا محمد؟ مِن تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آبائنا؟”، فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: “بلى، إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته”، وقرأ _صلى الله عليه وسلم_ على أبي بكر القرآن الكريم، فلم يقر ولم ينكر، فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق”، وبذلك أصبح أبو بكر أول من أسلم من الرجال الأحرار، حيث روى الإمام أحمد ومحمد بن ماجة عن ابن مسعود أنه قال: “أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب بن سنان، وبلال بن رباح، والمقداد بن عمرو، فأما رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس”.
  • وفيما روي عن نبي الله _صلى الله عليه وسلم_  أنه قال: “ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته، ولا تردد فيه”.
  • كما روي عنه _صلى الله عليه وسلم_ أيضًا أنه قال: “إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي”.

دعوة أبي بكر الصديق إلى الإسلام

  • بدأ أبو بكر الصديق _رضي الله عنه_ رحلته الدعوية بعد إسلامه مباشرةً حينها كانت الدعوة لا تزال في مرحلتها السرية فبدأ _رضي الله عنه_ الدعوة إلى الإسلام بمن يثق بهم من مجالسيه فأسلم على يديه كلًا من: (الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف) وذهب بهم إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ فعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن الكريم وأخبرهم بحق الإسلام فأعلنوا إسلامهم، بعد ذلك دخل كلٌ من: (بعثمان بن مظعون، وأبي عبيدة بن الجراح، وأبي سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم) فأسلموا جميعًا، كما دعا أبو بكر أفراد أسرته، فأسلمت بناته أسماء وعائشة _رضي الله عنهما_، وابنه عبد الله، وزوجته أم رومان بنت عامر، وخادمه عامر بن فهيرة.
  • كان أبو بكر _رضي الله عنه_ شديد الحرص على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وعلى الإسلام، ففيما روي عنه أنه _رضي الله عنه_ كان يلح على النبي _صلى الله عليه_ طلبًا في الظهور بين الناس في مكة إلا أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ كان يقول: “يا أبا بكر إنا قليل”، فلم يزل أبو بكر في إصراره حتى وافق الرسول _صلى الله عليه وسلم_، وكان عدد المسلمين حين ذاك ثمانية وثلاثون رجلًا، فلما خرج المسلمون إلى المسجد وتفرقوا في نواحيه كل رجلٍ إلى عشيرته، وجلس رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قام أبو بكر يخطب في الناس (وبذلك أصبح أول خطيبًا دعا إلى الإسلام)، مما أشعل ثورة المشركين ناحية أبي بكر والمسلمين، فقاموا إلى أبي بكر وأبرحوه ضربًا في نواحي المسجد، حتى اقترب منه “عتبة بن الربيعة” فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر، حتى ما عاد يُعرف وجهُه من أنفه، وجاءت قبيلة بنو تيم (قبيلة أبو بكر) يتعادون، فابتعد المشركين عن أبي بكر، وحمل بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشُكُّون في موته، ثم رجعت قبيلته إلى المسجد فدخلوه وقالوا: “والله لئن مات أبو بكر لنقتلن (عتبة بن ربيعة)”، فرجعوا إلى أبي بكر، فأخذ أبو قحافة (والد أبي بكر) وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار، فقال: “ما فعل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_؟”، فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، وقالوا لأمه: “انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه”، فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول: “ما فعل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_؟”، فقالت: “والله ما لي علم بصاحبك”، فقال: “اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه”، فخرجت حتى جاءت أم جميل (وكانت تخفي إسلامها آن ذاك)، فقالت: “إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله”، فقالت: “ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك؟”، قالت: “نعم”، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا، فدنت أم جميل، وأعلنت بالصياح وقالت: “والله إن قومًا نالوا منك لأهلُ فسق وكفر، إنني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم”، قال: “فما فعل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_”، قالت: “هذه أمك تسمع”، قال: “فلا شيء عليك منها”، قالت: “سالمٌ صالحٌ”، قال: “أين هو؟”، قالت: “في دار الأرقم”، قال: “فإن لله علي أن لا أذوق طعامًا ولا أشرب شرابًا أو آتي رسول الله _صلى الله عليه وسلم_”، فانتظرت المرأتان حتى إذا هدأت الرِّجل وسكن الناس خرجتا بأبي بكر يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على الرسول _صلى الله عليه وسلم_، فأكب عليه الرسول _صلى الله عليه وسلم_ فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورق له قلب النبي _صلى الله عليه وسلم” رقةً شديدةً، فقال أبو بكر: “بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع الله لها عسى الله أن يستنفذها بك من النار”، فدعا لها النبي محمد ودعاها إلى الإسلام فآمنت.
  • ومما نقل عن أبي بكر _رضي الله عنه_ في حادثة تعذيب بلال بن رباح _رضي الله عنه_ عندما أسلم، أن أبا بكر هو من قام بإنقاذه وتخليصه من العبودية، فحين أسلم بلال أخذ سيده (أمية بن خلف) في تعذيبه وتهديده بأن يترك الإسلام، إلا أن سيدنا بلال قد ثبت على الحق حتى قام أبو بكر _رضي الله عنه_ إلى سيده وفاوضه على شرائه بشرائه من سيده وأعتقه، وهو ما حدث مع كثير من عبيد وإماء المسلمين فكان أبو بكر يشتريهم لينقذهم من تعذيب ساداتهم ويعتقهم.

هجرة أبو بكر الصديق

  • بعدما عظم حال المسلمين في مكة المكرمة بعد بيعة العقبة الثانية أذن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ بالهجرة إلى المدينة المنورة، حيث كان المسلمون يخرجون في جماعاتٍ متخفين، وكان الأنصار في استقبالهم على مشارف المدينة وكانوا ينزلون المهاجرين على دورهم ويشاركونهم في تجارتهم وأعمالهم، وكثر المهاجرون من مكة إلى المدينة المنورة فلم يقعد إلا من حبس أو رجع عن الإسلام إلا علي بن أبي طالب وأب بكر الصديق والنبي _صلى الله عليه وسلم_ منتظرًا أن يؤذن له بالهجرة، وكان أبو بكر يستأذن من النبي _صلى الله عليه وسلم_ بالهجرة كثيرًا فيرد عليه النبي قائلًا: “لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا”، فعندما سمع أبو بكر منه هذا تمنى أن يكون هو، وخرج في شراء راحلتين واحتبسهما في دار يعلفهما إعدادًا لذلك، وعندما علمت قريش أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قد صار له أصحاب من غيرهم من خارج قريش، وعلموا بخروج أصحابه من المهاجرين إلى المدينة، ففهموا أنهم قد نزلوا دارًا وأصابوا منهم مَنعة، فحرصوا على عدم خروج النبي _صلى الله عليه وسلم_ من بينهم، فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون فيما يصنعون في أمره، فاتفقوا أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابًا يقصدون النبي _صلى الله عليه وسلم_ فيضربونه ضربة رجل واحد فيقتلوه، فيتفرَّق دمُه بين جميع القبائل، ولكن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قد علم بأمرهم واتفق مع علي بن أبي طالب _رضي الله عنه_ على يجلس في فراشه الشريف؛ حتى يرد الأمانات إلى أصحابها.
  • ثم ذهب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ إلى دار أبي بكر، قالت السيدة عائشة: “كان لا يخطئ رسولُ الله _صلى الله عليه وسلم_ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله _صلى الله عليه وسلم_ في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، فلما رآه أبو بكر قال: “ما جاء رسولُ الله _صلى الله عليه وسلم_ في هذه الساعة إلا لأمر حدث”، فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وليس عند رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أحد إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: “أخرج عني مَن عندك”، قال: “يا رسول الله إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي؟”، قال: “إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة”، فقال أبو بكر: “الصحبة يا رسول الله؟”، قال: “الصحبة”، قالت: “فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي”.
  • ثم قال أبو بكر: “يا نبي الله، إن هاتين راحلتين كنت أعددتهما لهذا”، فاستأجرا عبد الله بن أريقط الكناني (وهو رجلًا من بني الدئل بن بكر من كنانة)، وكان مشركًا يدلهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما، ولم يعلم أحدٌ بخروج النبي _صلى الله عليه وسلم_ حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر وآل أبي بكر _رضوان الله عليهم أجمعين_، فلما أجمع النبي _صلى الله عليه وسلم_ الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور (وهو جبل بأسفل مكة فدخلاه)، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى في الغار، فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم، يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ وأبي بكر _رضي الله عنه_، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عامر بن فهيرة يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يمسحه، وكانت أسماء بنت أبي بكر _رضي الله عنها_ تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما.
  • قالت (أسماء): “ولما خرج رسول الله _صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجتُ إليهم فقالوا: “أين أبوك يا ابنة أبي بكر؟”، قلت: “لا أدري والله أين أبي”، فرفع أبو جهل يده وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي ثم انصرفوا”.
  • وعن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: “لما خرج رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله معه: خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: “والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه”، قلت: “كلا يا أبتِ، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا”، قالت: “وأخذتُ أحجاراً فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: “يا أبت ضع يدك على هذا المال”، قالت: “فوضع يده عليه”، فقال: “لا بأس، إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم”، قالت: “ولا والله ما ترك لنا شيئاً ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك”.
  • أخذ المشركون من أهل مكة يقتفون أثر النبي _صلى الله عليه وسلم_ حتى وصلوا إلى جبل ثور وصعد بعضهم إلى أعلى الجبل؛ حتى يبحثوا عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ وصاحبه، فلما مروا بالغار رأوا على بابه نسيج من خيوط العنكبوت الواهنة، فقالوا: “لو دخل ها هنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه”، حينها نظر أبو بكر إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ وهمس قائلًا: ” يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه”، فقال النبي _صلى الله عليه وسلم_: “يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟”.
  • مكث أبو بكر الصديق مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ في الغار ثلاث ليالٍ، ثم خرجا من مخبئهما وواصلا الطريق حيث المدينة.

جهاد أبي بكر الصديق

شهد أبو بكر الصديق مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ الغزوات والمشاهد كلها ولم يفته منها شيء وكذلك كثير من السرايا، وله الكثير من المواقف في غزوات عديدة، منها:

  • غزوة بدر _العام الثاني الهجري_: فعندما أصر مشركو مكة على قتال النبي _صلى الله عليه وسلم_ بعد نجاة القافلة، قام النبي باستشارة أصحابه _رضوان الله عليهم أجمعين_، فقام أبو بكر بشجاعة فقال وأحسن، وقد روي أن عبد الرحمن بن أبي بكر شارك في هذه الغزوة ولم يكن قد أسلم بعد، فلما أسلم قال لأبيه: “لقد أهدفت لي (أي ظهرت أمامي) يوم بدر، فملت عنك ولم أقتلك”، فقال له أبو بكر: “لو أهدفت لي لم أمل عنك”.
  • غزوة أحد _العام الثالث الهجري_: عندما ابتعد جموع المسلون عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ وتفرق الصحابة في أرجاء الساع، شاع أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قد قتل، فعندما سمع أبو بكر أخذ بشق الصفوف فكان هو أول من وصل للنبي _صلى الله عليه وسلم_، ثم اجتمع حول النبي العديد من الصحابة، منهم: (وأبو عبيدة بن الجراح، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعمر بن الخطاب، والحارث بن الصمة، وأبو دجانة، وسعد بن أبي وقاص، غيرهم _رضوان الله عليهم أجمعين_).
  • غزوة تبوك _العام التاسع الهجري_: حينما بدأ النبي _صلى الله عليه وسلم_ باختيار الأمراء والقادة أولى اللواء الأعظم لأبي بكر، وروي أنه عندما طلب الرسول _صلى الله عليه وسلم_ من الصحابة أن ينفقوا بما يقدرون عليه، قال عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_: “أمرَنا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: “اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا”، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: “ما أبقيت لأهلك؟”، قلت: “مثله”، وأتى أبو بكر _رضي الله عنه_ بكل ما عنده، فقال له رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: “ما أبقيت لأهلك؟“، قال: “أبقيت لهم الله ورسوله”، قلت: “لا أسابقك إلى شيء أبدًا”.

خلافة أبو بكر الصديق

  • لما شاع خبر وفاة النبي _صلى الله عليه وسلم_ بين المسلمين اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة وما لبث أن ذهب إليهم بعض المهجرون فبايعوا أبا بكر الصديق على الخلافة وسميت هذه البيعة “البيعة الخاصة” وكان ذلك في ذات اليوم الذي توفي فيه النبي _صلى الله عليه وسلم_.
  • فلما كان اليوم الذي يليه اجتمع المسلمون حتى يبايعوا أبا بكر “البيعة العامة”، قال أنس بن مالك: “لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: “أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهداً عهده إلي رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ سيدبر أمرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله _صلى الله عليه وسلم_، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم: صاحب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه”، فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السقيفة.
  • ثم تكلم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: “أما بعد أيها الناس، فإني قد وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله”.
  •  بلغت مدة خلافة أبي بكر _رضي الله عنه_ عامان وثلاثة أشهر، وبالرغم من قصر المدة إلا أنها كانت من أهم الفترات في تاريخ الإسلام حيث تولى أبو بكر راية الدفاع عن الدعوة الإسلامية واستكمال حركة الفتوحات في شتى بقاع الأرض، ولم يمنعه ذلك _رضي الله عنه_ من ردع الردة التي حدثت بعد وفاة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، حيث ارتد عدد كبير من الناس، فقام _رضي الله عنه_ بجمع الصحابة وتجهيز الجيش وقاتل كل من أبى أن يعود لدين الإسلام، ومن أشهر معارك حروب الردة التي قادها أبو بكر _رضي الله عنه_: (معركة أجنادين، ومعركة مرج الصُّفّر، ومعركة اليرموك)، وقد انتصر المسلمون فيها انتصارًا عظيمًا.
  • حقق أبو بكر في مدة خلافته الكثير من الفتوحات، حيث أخضع شبه الجزيرة العربية بأكملها إلى الدين الإسلامي كما فتحت في عهده الكثير من مدن العراق، وبعض مدن الشام، الحيرة، ومعركة اليمامة التي تعتبر نتاجًا عن حروب الردة، وبالرغم من انتصار المسلمون في هذه المعركة إلا أن عددًا كبيرًا من الصحابة من حفظة القرآن الكريم قد استشهدوا، حينها أمر أبو بكر زيد بن ثابت بجمع ما كنت وما حفظ من القرآن الكريم فكان بهذا أول من أمر بجمع القرآن الكريم.

وفاة أبو بكر الصديق

توفي أبو بكر الصديق _رضي الله عنه_ ليلة الثلاثاء في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، عن عمر يناهز الثلاث وستون عامًا كما كان عمر رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ آن وفاته، وتولى تغسيله وفقًا لوصيته _رضي الله عنه_ زوجته أسماء وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر، وصلى عليه المسلمون صلاة الجنازة بإمامة عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_، وحمل جسده _رضي الله عنه_ على الخشبة نفسها التي حمل عليها الرسول _صلى الله عليه وسلم_، ودفن وفقًا لوصيته بجوار الرسول _صلى الله عليه وسلم_، ومما قالته أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر في رثائه _رضي الله عنهما_: (نضّر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلّا بإعراضك عنها، وللآخرة معزّا بإقبالك عليها، ولئن كان أجلّ الحوادث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رزؤك، وأعظم المصائب بعده فقدك، إن كتاب الله ليعد بالعزاء عنك حسن العوض منك، فأنا أنتجز من الله موعوده فيك بالصبر عليك، وأستعيضه منك بالدعاء لك، فإنا لله وانا إليه راجعون، عليك السلام ورحمة الله، توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك).

وختامًا، تناولنا في هذا المقال الحديث عن “أبي بكر الصديق”، في بداية المقال ذكرنا نسبه مولده ونشأته _رضي الله عنه_، ثم انتقلنا للحديث عن صفاته، مرورًا بالحديث عن إسلامه _رضي الله عنه_ ودعوته إلى الإسلام، وهجرته مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وجهاده في سبيل الله، وتوليه للخلافة، ونهايةً وفاته _رضي الله عنه_.

اقرأ أيضًا:

Leave a Comment