أويس بن عامر … أحد تابعي رسول الله  _صلى الله عليه وسلم_ المخضرمين أدرك النبي _صلى الله عليه وسلم_ ولم يلتق به، كان من العباد الزهاد وكان واسع العلم كثير التواضع متقشفًا بارًا حريصًا على الإسلام والمسلمين، أخذ العلم عن كثير من الصحابة _رضوان الله عليهم أجمعين_.

أويس بن عامر

نسبه: هو أبو عمرو أُويس بن عامر بن جزء بن مالك بن عمرو بن سعد بن عصوان بن قرن بن ردمان بن ناجية بن بني مراد القبيلة المذحجية القرني المرادي اليماني، يلقب بالخليص.

نشأته: نشأ في مراد التابعة لمنطقة قرن في اليمن، وفي عام تسعة عشر للهجرة ترك أويس بن عامر اليمن وغادر إلى الكوفة بالعراق.

أويس بن عامر ورسول الله _صلى الله عليه وسلم_

  • عاصر أويس بن عامر زمن النبي _صلى الله عليه وسلم_ وأسلم ولكنه لم يلتقِ به؛ حيث منعه من ذلك بره بأمه، حيث كانت له أم يتولى رعايتها والاهتمام بها.
  • وبالرغم من أن لم يلتق بالنبي _صلى اللهى عليه وسلم_ إلا أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قد ذكره في جمعٍ من الصحابة وتحدث عن مزية له وهي (أن أويس لو أقسم على الله لأبره)، وقد روي عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: “لَيَدْخُلَنَّ الجنةَ بشفاعةِ رجلٍ منْ أمتِي، أكثرُ منْ بني تميمٍ”، وكان الحسن البصري يقول: “ذلك أويس القرني”، وجاء في صحيح مسلم أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: “إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة، وكان به بياض. فمروه فليستغفر لكم”.

أويس بن عامر وعمر _رضي الله عنه_

  • ولما سمع سيدنا _عمر رضي الله عنه_ ما قاله النبي عن أويس أخذ يترقب مقابلته، فقد روي عنه أنه “كان رضي الله عنه إِذَا أتَى عَلَيهِ أمْدَادُ أهْلِ اليَمَنِ سَألَهُمْ: أفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ ، حَتَّى أتَى عَلَى أُوَيْسٍ رضي الله عنه، فَقَالَ لَهُ: “أنْتَ أُوَيْسُ ابْنُ عَامِر؟”، قَالَ: “نَعَمْ”، قَالَ: “مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟”، قَالَ: نَعَمْ”، قَالَ: “فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ، فَبَرَأْتَ مِنْهُ إلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟”،  قَالَ: “نَعَمْ”، قَالَ: “لَكَ وَالِدةٌ؟”، قَالَ: “نَعَمْ”، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله |_صلى الله عليه وسلم_، يقول: ((يَأتِي عَلَيْكُمْ أُويْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أمْدَادِ أهْلِ اليَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ، فَبَرَأَ مِنْهُ إلاَّ موْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالدةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَل)) فَاسْتَغْفِرْ لي فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أيْنَ تُريدُ؟ ، قَالَ: الكُوفَةَ، قَالَ: ألاَ أكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ ، قَالَ: أكُونُ في غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أشْرَافِهِمْ، فَوافَقَ عُمَرَ، فَسَألَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، فَقَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ((2)) البَيْتِ قَليلَ المَتَاع، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، يقولُ: ((يَأتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أمْدَادٍ مِنْ أهْلِ اليَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إلاَّ مَوضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، فَإنِ اسْتَطْعتَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَافْعَلْ))، فَأتَى أُوَيْساً، فَقَالَ: “اسْتَغْفِرْ لِي”، قَالَ: “أنْتَ أحْدَثُ عهدًا بسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لي”، قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟، قَالَ: “نَعَمْ”، فاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ. رواه مسلم.
  • وفيما جاء في صحيح مسلم عن أسير بن جابر _رضي الله عنه_: أنَّ أهْلَ الكُوفَةِ وَفَدُوا عَلَى عُمَرَ رضي الله عنه، وَفِيهمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هاهُنَا أَحَدٌ مِنَ القَرَنِيِّينَ؟ ، فَجَاءَ ذلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ عمرُ: إنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ: (( إنَّ رَجُلاً يَأتِيكُمْ مِنَ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، لاَ يَدَعُ باليَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَدَعَا الله تَعَالَى، فَأذْهَبَهُ إلاَّ مَوضِعَ الدِّينَارِ أَو الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ)).
    وفي رواية لَهُ: عن عمر رضي الله عنه، قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، يقول : ((إنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُرُوهُ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ)).
  • وجاء في صحيح مسلم: “كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن، سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع دَرْهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد، ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع دَرْهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فاستغفر لي، فاستغفر له. فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب”.

لقاء عمر وعلى _رضي الله عنهما_ بأويس

كان سيدنا عمر _رضي الله عنه_ في كل عام عندما يأتي الحج يسأل عن أويس بن عامر الذي سمع وصفه من النبي _صلى الله عليه وسلم_، فقد وروي عنه أنه صعد رضي الله عنه إلى جبل “أبي قبيس” فصاح بصوتٍ عالٍ قائلًا :”يا أهل الحجيج من أهل اليمن، أفيكم أويس من مراد؟ فقام شيخ كبير طويل اللحية من قرن فقال: “يا أمير المؤمنين إنك قد أكثرت السؤال عن أويس هذا، وما فينا أحد اسمه أويس إلا ابن أخ لي يقال له أويس فأنا عمه وهو حقير بين أظهرنا، خامل الذكر، وأقل مالًا، وأوهن أمرًا من أن يرفع إليك ذكره”، فقال عمر: “وأين ابن أخيك هذا الذي تزعم؟ أهو معنا بالحرم؟”، قال الشيخ : “نعم يا أمير المؤمنين هو معنا في الحرم، غير أنه في أراكِ عرفة يرعى إبلًا لنا”، فركب عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه عنهما على حمارين لهما، وخرج من مكة وأسرعا السير إلى أراك عرفة يبحثان عنه، فوجداه بين الشجر في طمرين من صوف أبيض وقد صف قدمه يصلي إلى شجرة متخذها سترة له وقد وضع يديه على صدره وألقى بناظريه إلى موضع سجوده والإبل حوله ترعى، ثم أقبلا نحوه، فلما أحس بهما أوجز في صلاته فقالا له: “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته”، فقال أويس: “وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته”، وسأل عمر _رضي الله عنه_ عن اسمه فقال: “إنه عبد الله وابن أمته”، فمَا زال به عمر حتى أخبره باسمه، فطلب منه أن يريه شقه الأيسر، قال: “وما حاجتكما إلى ذلك؟”، قال علي رضي الله عنه: “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصفك لنا، وقد وجدنا الصفة كما أخبرنا غير أنه أعلمنا أن بشقك لمعة بيضاء مقدار الدينار أو الدَّرْهم، ونحن نحب أن ننظر إلى ذلك”، فكشف لهما عن شقه الأيسر، فلما شاهدا اللمعة ابتدراه يقبلانه وقالا: “نشهد أنك أويس القرني، ثم بكيا طويلًا وقالا: “يا أويس إن رسول الله أمرنا أن نقرئك السلام، وأمرنا أن نسألك أن تستغفر لنا فإن رأيت أن تستغفر لنا يرحمك الله فافعل”، ولكن أويسًا طلب أن يعرِّفاه بنفسيهما، فقال علي_ رضي الله عنه_: “أما هذا فأمير المؤمنين، وأما أنا فعلي بن أبي طالب”، فوثب أويس مستبشرًا فعانقهما ورحب بهما، وقال: “جزاكما الله عن هذه الأمة خيرًا”، قالا: “وأنت جزاك الله عن نفسك خيرا”، ثم قال أويس: “ومثلي يستغفر لأمثالكما؟”، فقالا: “نعم، إنا قد احتجنا إلى ذلك منك”، وطلبا منه أن يدعو لهما حتى يؤمنا على دعائه، فقال: “اللهم إن هذين يذكران أنهما يحباني فيك فاغفر لهما وأدخلهما في شفاعة نبيهما محمد صلى الله عليه وسلم”، فقال له عمر _رضي الله عنه_: “مكانك رحمك الله حتى أدخل مكة فآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي، فإني أراك رث الحال، هذا المكان الميعاد بيني وبينك غدًا، فقال أويس: “يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك، ولا أعرفك بعد اليوم ولا تعرفني، ما أصنع بالنفقة؟ ، وما أصنع بالكسوة؟ ، أما ترى علي إزارًا من صوفٍ ورداءٍ من صوف متى أراني أخلقهما؟ ، أما ترى نعلي مخصوفتين، متى تراني أبليهما؟، ومعي أربعة دراهم أخذتها من رعايتي، متى تراني أكلهما؟ ، يا أمير المؤمنين إن بين يدي عقبة لا يقطعها إلا كل مخف مهزول، فأخف يرحمك الله، يا أبا حفص إن الدنيا غرارة، زائلة، فانية، فمن أمسى وهمته فيها اليوم مد عنقه إلى غد، ومن مد عنقه إلى غد أعلق قلبه بالجمعة، ومن أعلق قلبه بالجمعة لم ييأس من الشهر، ويوشك أن يطلب السنة، وأجله أقرب إليه من أمله، ومن رفض هذه الدنيا أدرك ما يريد غدًا من مجاورةِ الجبار، وجرت تحت منازله الثمار”، فلما سمع عمر رضي الله عنه، ضرب بدرته الأرض، ثم نادى بأعلى صوته: “ألا ليت عمر لم تلده أمه، ليتها عاقرًا لم تعالج حملها، ألا من يأخذها بما فيها ولها”، ومضى أويس يسوق الإبل وعمر وعلي _رضي الله عنهما_ ينظران إليه حتى غاب فلم يروه، وعاد عمر وعلي _رضي الله عنهما_ نحو مكة.

زهد أويس بن عامر

  • بعد خروج أويس بن عامر _رضي الله عنه_ من اليمن اتجه إلى الكوفة وقضى بها معظم حياته وبالرغم من فقره واحتياجه إلا أنه لم يكن ليرد سائلًا حتى أنه في كثير من الأحيان كان يبيت عاري جسد بعدما تصدق بثيابه على الفقراء وكان يظل حبيسًا في بيته لأنه لا يجد ما يكتسي به، وبالرغم من ذلك كله إلا أن أويسًا كان يتعفف عما بين يدي الناس.
  • كان أويسًا يراقب أحوال المسلمين فكان إذا دخل بيته تفقد ما عنده من اللباس أو الطعام وتصدق به، وروي عنه أنه كان يقول: “اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به ومن مات عرياناً فلا تؤاخذني به”.

بعض أقوال أويس بن عامر

  • روي عنه أنه قال “لهرم بن حيان”: “احذر ليلة صبيحتها القيامة، ولا تفارق الجماعة فتفارق دينك، يا هرم توسد الموت إذا نمت وأجعله أمامك إذا قمت، ولا تنظر إلى صغر ذنبك، ولكن أنظر إلى من عصيت فإن صغرت ذنبك فقد صغرت الله”.
  • روي عن هرم بن حيان أنه قال له يومًا: “صلنا يا أويس بالزيارة”، فقال له أويس: “قد وصلتك بما هو خير من الزيارة واللقاء وهو الدعاء بظهر الغيب إن الزيارة واللقاء ينقطعان والدعاء يبقى ثوابه”.
  • روي عن رجل أنه قال لأويس رجل أريد أن أصحبك لأستأنس بك، فقال أويس: “سبحان الله ما كنت أرى أحدًا يعرف الله يستوحش مع الله”.
  • ومما روي عنه في النصح قوله: “كن في أمر الله كأنك قتلت الناس كلهم”، أي في تعظيمك لذنبك.
  • وقوله: “إن الموت لم يبقِ لمؤمن فرحًا”.
  • وقوله: “اللهم إني أعتذر لك من كل كبد جائعة، وجسد عارٍ، وليس لي إلا ما على ظهري وبطني”.
  • وروي عن أويس أن رجلًا من قبيلته مرَّ عليه، فقال له: “كيف أصبحت؟”، قال: “أصبحت أحمد الله”، قال: “كيف الزمان عليكم؟”، قال: “كيف الزمان على رجل إن أصبح لم ير أنه يمسي، وإن أمسى لم يرَ أنه يصبح، فمبشرٌ بالجنة أو مبشرٌ بالنار، يا أخا مراد، إن الموت وذكره لم يدع لمؤمنٍ فرحًا، وإن علمه بحقوق الله لم يترك له في ماله فضةً ولا ذهبًا، وإن قيامه بالحق لم يترك له صديقًا”.

جهاد أويس بن عامر ووفاته

  • انتقل أويس بن عامر _رضي الله عنه_ إلى الكوفة في العام التاسع عشر للهجرة وعاش بها حتى وفاته وكان يمشي بين الناس متخفيًا، حيث كان الناس يأتون عليه من كل مكان طلبًا له وكانوا يتمسحون به حيث عرفه كثيرٌ من الناس بعد لقائه بسيدنا عمر _رضي الله عنه_.
  • شهد أويس معركة نهاوند مصطفًا في الجيش الكوفي.
  • شهد أيضًا معركة صفين، ودعا الله فقال: “اللهم ارزقني شهادة توجب لي الحياة والرزق”، قاتل مع المشاة الرجالة في صفوف علي بن أبي طالب، وكان يضرب بسيفين فأصيب واستشهد يومها، ونظروا في جسده فوجدوا به ما يزيد عن أربعين جرحًا، ودفن أويس _رضي الله عنه_ الرقة، وكان ذلك في العام السابع والثلاثون للهجرة.

وختامًا، تناولنا في هذا المقال الحديث عن “أويس بن عامر” في البداية عرضنا بعض التفاصيل حول نسب نشأة أويس بن عامر _رضي الله عنه_، ثم انتقلنا للحديث عن لقاء أويس بن عامر مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب _رضي الله عنهما_، مرورًا بالحديث عن زهده _رضي الله عنه_ وبعض أقواله، وأخيرًا جهاده ووفاته.

اقرأ أيضًا:

Leave a Comment